27.11.2014

المقاوماتُ التاريخيةُ والبحثُ عن الحلولِ في مجتمعِ الشرقِ الأوسط

إنَّ تطويرَ علومِ الاجتماعِ المتمحورةِ حول المدنيةِ الأوروبيةِ بناءً على قَبولِ أصالةِ المدنيةِ الإغريقيةِ – الرومانية، قد حَرَّفَ كتاباتِ وقراءاتِ التاريخِ الكونيِّ على مستوى متقدم.

 عبد الله أوجلان
علومُ الاجتماعِ بذاتِها مَشحونةٌ بالتأثيراتِ العميقةِ لهذه التحريفات. ما من شكٍّ في أنّ كلَّ عصرٍ أو مدنيةٍ طَموحةٍ تَكُونُ مُحَمَّلَةً بِهَوَسِ اعتبارِ نفسِها المركزَ والأصل. مع ذلك، فالمدنيةُ المركزيةُ الأوروبيةُ قد أَبدَت فضيلتَها في التعاطي الانتقاديِّ لذاتِها مُبَكِّراً في هذا المضمار. فتَطَوُّرُ التيارِ النقديِّ قد جَعَلَ تدوينَ وقراءةَ التاريخِ الكونيِّ أكثر واقعيةً (قريباً من الحقيقة). وقد اكتَسَبَت بحوثُ علمِ الاجتماعِ في هذه الوِجهةِ عمقاً محدوداً. لكن، ومثلما الحالُ في كافةِ العلوم، فإنَّ تَحَوُّلَ علومِ الاجتماعِ أيضاً إلى قواعد متطرفة، قد أَفسَحَ المجالَ أمام مخاطرِ تجزيءِ كلياتيةِ الحقيقة. وحُكمُ هيغل "الحقيقةُ كلٌّ متكامل"، الذي تَحَوَّلَ لدى أدورنو إلى ردَِ فعلِ "الحقيقةُ ليست كلاً متكاملاً"، إنما يُوجِزُ الأمر. ساطعٌ بجلاء أنَّ الإفراطَ في الانعكافِ على التواريخِ الصغرى، وفي مقدمتها "التواريخ الوطنية" كَرَدِّ فعلٍ على التاريخِ الأكبرِ الكونيّ؛ قد أَفسَدَ كُلِّيّاتيةَ الحقيقةِ وزادَ من السلبيات. وللإهمالِ المفرطِ لسياقاتِ الحوادثِ والظواهرِ والعلاقاتِ الصغرى في التعاطي الكُلِّيَّاتيِّ دورُه الملحوظُ في ظهورِ هذه النتيجة. أما الأمرُ الصحيحُ ولكن العسير، فهو أسلوبُ تحليلِ المواقفِ الكلياتيةِ والجزئيةِ (الكبرى والصغرى) بشكلٍ متداخلٍ وكما هي عليه في الواقع، وعَرضِها بعد جمعِها في تركيبةٍ جديدة. وأنا أتوخى الحرصَ في هذا التعاطي أثناءَ جهودي في القراءةِ والكتابةِ والعرض.
فلسفةُ هيغل في التاريخِ الكونيِّ مُفيدةٌ للتطورِ كمصطلح. لكنَّ قيامَه بإسنادِها إلى المدنيةِ الإغريقيةِ – الرومانية، وطغيانَ الطابعِ الميتافيزيقيِّ زيادةً عليها، قد فتحَ الطريقَ أمامَ انتقاداتٍ لاذعة. فانتقادُ فريدريك نيتشه لِهيغل مفيدٌ وتعليميّ، حيث يَفرُضُ الحياةَ الملموسةَ العَينِيَّةَ بكلِّ ما أُوتِيَ من قوةٍ وإيضاح، مَقابِلَ مزاعِمِ هيغل المُجَرَّدَة (الذكاء المُطلق Geist). إنه يَوَدُّ القولَ أنّ "الحقيقة عَينِيّة". وهو لا يتغاضى كلياً عن التاريخِ الكونيِّ والمُجَرَّدِ لدى قيامِه بذلك، بل يتعدى النزعةَ الإغريقيةَ – الرومانية. ويَمتَدُّ حتى زرادشت، مُنكَبَّاً على البحثِ في فلسفتِه الأخلاقيةِ المُناهِضةِ للميتافيزيقيةِ الدينيةِ التوحيدية، وساعياً لِصياغةِ فلسفتِه في الأَلَمِ والحماس.
لقد تَطَرَّقنا قسمياً إلى فلسفةِ كارل ماركس في الهيغليةِ اليسارية. فبالرغمِ من تقديمِ ذاتِه على أنه ماديّ، إلا أنه من العسيرِ القولُ بِتَخَطِّيه للميتافيزيقيا الوضعية. ذلك أنَّ نزعةَ علمِ الاجتماعِ الفرنسيِّ (دعامة نزعةِ التاريخِ القوميِّ الأصغر) تُنادي كلياً بالأصغرية. وللثورةِ الفرنسيةِ والإفراطِ في الدولتيةِ القوميةِ والجمهورانيةِ نصيبُها الوافرُ في ذلك. أما مدرسةُ التاريخِ الإنكليزيِّ المتصاعدةُ على أرضيةِ الاقتصادِ السياسيِّ الإنكليزيّ، فهي براغمائيةٌ  إلى أقصى حد، وكلُّ هدفِها يتجسدُ في العثورِ على المؤازراتِ التاريخيةِ الخلفيةِ للإمبراطوريةِ الإنكليزيةِ وهيمنتِها، وفي توطيدِ الدعامةِ الأيديولوجيةِ لها. لكنها أَنجحُ من الانطلاقَتَين الألمانيةِ والفرنسية، نظراً لعلاقتِها الكثيفةِ مع الممارسةِ العملية. فالنظامُ الناجحُ تَكُونُ فلسفتُه أيضاً ناجحة، لكنَّ هذا لا يعني أنها واقعية. فكما أنَّ كلَّ نجاحٍ ليس بحقيقة، فكلُّ هزيمةٍ أيضاً ليست برهاناً على الخطأ. ومن دونِ إدراكِ هذه الحقيقةِ جيداً، لن نستطيعَ القيامَ بمسيرةِ الحقيقةِ بشكلٍ سليم.
تأتي مسيرةُ نظامِ المدنيةِ المركزيةِ المُعَمِّرَةِ أكثر من خمسةِ آلافِ عامٍ والنابعةِ من السومريين، في صدارةِ أهمِّ البراهينِ والحججِ لِصالحِ التاريخِ الكونيّ. وقُصورُ هيغل في استخدامِ هذه الحججِ لا يتأتى من عدمِ مهارتِه أو مِن عَماه، بل هو مرتبطٌ بعدمِ بدءِ البحوثِ السومريةِ آنذاك. إذ كانت الوثائقُ المتعلقةُ بمصادرِ انطلاقةِ الأديانِ الإبراهيميةِ جدَّ محدودة. كما لَم تَكُن أهميةُ النظامِ القَبَلِيِّ قد فُهِمَت بعدُ كثيراً، أو أنه سادَ العجزُ في تقييمِ الدورِ الكونيِّ الذي لَعِبَه مع النظامِ النيوليتيِّ بشكلٍ جديرٍ حينذاك. هكذا، باتت الأجواءُ (عهدُ الثورةِ الفرنسيةِ وما بعدَها) منفتحةً تماماً أمام القومويةِ (الحجة الدينية الجديدة) والبحوثِ التاريخيةِ للدولةِ القومية، فكان كلُّ متنوِّرٍ ومُؤَرِّخٍ مُندَفِعاً وراءَ تاريخِه القوميّ. واضحٌ أنّه بِحُكمِ طابعِ الثورةِ القائمة (هيمنة البورجوازية) كانت وجهاتُ النظرِ الطبقيةِ طاغيةً على كافةِ التدويناتِ التاريخيةِ تلك. فبينما لعبَ المتنورون البورجوازيون دوراً رئيسياً في تأريخِ الدولةِ القومية، وبينما بَحَثَ المُحافِظون مُجَدَّداً عن رَكيزةٍ تاريخيةٍ للأرستقراطيةِ الإقطاعية؛ فقد كان الديمقراطيون والاشتراكيون أيضاً مُنعكفين على البحثِ في تاريخِ الكادحين والشعوب. أما طبيعةُ المجتمع، فقد كان تفسيرُها بوجهاتِ النظرِ الطبقيةِ مستحيلاً، بحيث باتت تَفرضُ وتَشتَرِطُ تعامُلاً مُعَقَّداً ومتشابكاً ومرناً، وبالتالي كلياتياً، ولكنه يَبسطُ للعيانِ أهميةَ الأجزاءِ أيضاً. من هنا، فقد قامت النظرياتُ الانتقاديةُ (مدرسة فرانكفورت) ومدرسةُ آنيلس التاريخيةُ في مطلعِ القرنِ العشرين بتناوُلها بمواقفَ كُلِّيَّةٍ وجزئيةٍ معاً وبِعُمقٍ أكبر. في حين أنَّ الثوراتِ العلميةَ القائمةَ في النصفِ الثاني من القرنِ العشرين انعَكَسَت على علمِ السوسيولوجيا أيضاً، مُمَكِّنَةً بذلك من السرودِ والبحوثِ الأكثر توازناً. بالمقدورِ القولِ أننا أقربُ قليلاً في راهننا إلى الحقيقةِ الاجتماعيةِ وبالتالي التاريخيةِ والكونية. وإذا كُنا نَفقَهُ شيئاً من الدياليكتيك، فمن الضروريِّ الإدراكَ جيداً أنَّ الأخطاءَ الكبرى أيضاً تتواجدُ بجانبِ الدنوِّ أكثر من الحقيقة.
كان هيغل يَنطلِقُ في مضمونِه من حلقةٍ صحيحةٍ وهامة، لدى تقييمه لِهَوِيَّةِ نابليون ومسيرتِه التاريخية (حركاته العسكرية والسياسية). أما حُكمُه على نابليون بأنه الإلهُ الهابطُ على وجهِ الأرض، وعلى نظامِه أيضاً (نظام الدولة القومية) بأنه شكلُ الدولةِ المثاليُّ الأخيرُ والأكثر نمطيةً وتجانُساً؛ فهو مُطَوِّرٌ ومفيدٌ كَسَرد. على النزعةِ الواقعيةِ ألا تَغُضَّ الطَّرْفَ عن هيغل في هذا الشأن. فنابليون كَشَخص هو بالذات التاريخُ الذي وصلَ حتى ذاك العهد. وإذ ما نُبِشَ وبُحِثَ في عواملِ الثقافةِ الماديةِ والمعنويةِ المُوَلِّدَةِ إياه، فبلوغُ هذه النتيجةِ لن يَكُون عصيباً. وإذ ما فَسَّرنا الأمرَ باقتضاب؛ فإنّ انعكاسَ المسيحيةِ الكامنةِ في أساسِ المدنيةِ الأوروبية، والثالوثِ الكامنِ في جوهَرِها (الأب – الابن – الروح القدس) على شخصيةِ نابليون؛ هو أمرٌ مفهوم. حيث، وبقدرِ ما ستتدوَّل المسيحية، فستتحوَّلُ الألوهيةُ التي في بُنيتِها إلى حالةِ دولةٍ عَينِيّة. علماً أنه بالإمكانِ تطويرَ هكذا نمطٍ من التفاسيرِ بشأنِ اليهوديةِ والإسلامِ أيضاً. أما اتحادُ الكنائسِ القوميةِ مع الإلهِ المُتَدَوِّل، فبالمستطاعِ تفسيره على أنه إلهُ "الدولةِ القومية". وهذا ما فَعَلَه هيغل.
بالإمكانِ تطوير هذا التفسيرِ وتَعميم استخدامِه. إضافةً إلى أنَّ تفسيرَ مصطلحِ الإلهِ يتميزُ بأهميةٍ قصوى في سبيلِ القدرةِ على فهمٍ أفضل. فحتى أميل دوركايم كان يَصوغُ سوسيولوجيا جيدةً لدى تفسيرِه الإلهَ بأنه "تَصَوُّرُ الهويةِ الاجتماعية". فالإدراكُ الأكثر واقعيةً للإلهِ السوسيولوجيِّ، هو ذاك الذي يُفَسِّرُه كَتَصَوُّرٍ لهويةِ المجتمعِ العامة. والمساهمةُ التي أردتُ تقديمَها في ذلك لا تَنحَصِرُ في اعتبارِه تَصَوُّراً فحسب، بل هي: "الإله منهاجٌ اجتماعيٌّ – سياسيّ". سأَجهَدُ لتفسيرِ هذا الأمرِ بشكلٍ أشمل فيما يتعلقُ بكيفيةِ فهمِ محمد لله. والأهمُّ هو تلك النقاطُ المعنيةُ بتفسيرِ دينِ إبراهيم. فمن دونِ استخدامِ السرودِ الميثولوجيةِ المصريةِ والسومريةِ ومُجَمَّعاتِ آلهتهم كمُعطيات، فستَكُون صياغةُ سوسيولوجيا الأديانِ الإبراهيميةِ ناقصةً للغاية، هذا إنْ لَم تَكُ مستحيلة.
إذ ما واصَلنا مسيرتَنا إلى الوراء، فسيُلاحَظُ أنَّ تفاسيرَ مَلحَمَتَي إينانا وكلكامش من بين الوثائقِ المُدَوَّنةِ التي وصَلَتنا من المدنيةِ السومرية، هي تفاسيرُ تعليميةٌ بأضعافٍ مضاعفة. لذا، لا يُمكن إنكارَ أو تفنيدَ كونِ أحدِ أهمِّ الأساليبِ يَسيرُ في هذه الوجهة، ولو أنه ليس الحجةَ أو البرهانَ الوحيدَ لأجلِ تدوينِ التاريخِ الكونيّ. قد يُقالُ باستحالةِ كتابةِ التاريخِ بالتفسيرِ على أساسِ الميتافيزيقيا. إنه زعمٌ تافهٌ جداً. وجوابي على ذلك سيَكون كالتالي: "ثقافةُ الإنسانِ بِتَطَوِّرِها حتى اليومِ ميتافيزيقيةٌ بنسبةٍ ساحقة". بَيْدَ أنَّ اعتبارَ الميتافيزيقيا خارجةً كلياً عن الحقيقةِ أمرٌ غيرُ صحيحٍ وغيرُ ممكن. وقد أُدرِكَ أنَّه حتى الوضعيون، الذين يُرَوِّجون بالأكثر لهذا الادعاء، هم الميتافيزيقيون الأكثر فظاظة. وتقييمُ نيتشه في هذا المضمارِ مُنَوِّر. ألا وهو: "المهمُّ ليس صياغةَ أو عدمَ صياغةِ الميتافيزيقيا، بل هو صياغةُ الميتافيزيقيا الجيدة". فالميتافيزيقيا التي تُقَلِّلُ من الألمِ وتُثيرُ الحماسَ والسرورَ في الحياةِ هي ميتافيزيقيا جيدة. وأحدُ أكثرِ الأمثلةِ لفتاً للأنظارِ بصددِ الميتافيزيقيا السيئة، هو المفهومُ الوضعيُّ الكونيُّ وتأجيجُه للدولةِ القوميةِ والفاشية.
لِنَعُدْ ثانيةً إلى الموضوع. سيَظَلُّ فهمُ التاريخِ الكونيِّ ناقصاً جداً، ما لَم يُدرَك نظامُ المدنيةِ المركزية. ولدى عدمِ فهمِ التاريخِ الكونيِّ لن يبقى الفهمُ المتقطعُ لتواريخِ المجتمعاتِ ناقصاً فحسب، بل وسيُصبحُ دون جدوى بِحُكمِ غيابِ المقارنةِ فيه. عليَّ إضافةَ ملاحظةٍ جدِّ وجيزةٍ في هذا السياقِ بِحَقِّ النظامِ القَبَلِيّ. فالتعامُلُ الذي يجعلُ العشيرةَ موضوعاً للسرودِ الصغرى الأكثر أهميةً بَعدَ الكلان، هو موقفٌ غيرُ صائب. فالعشيرةُ أيضاً بنيةٌ نظاميةٌ تتسم بمزايا كونيةٍ كالكلان. من هنا، فبدونِ إضافةِ النظامِ الكلانيِّ والقَبَلِيِّ إلى سردِ التاريخِ الكونيّ، لن يَصيرَ التفسيرُ مليئاً بالأخطاءِ فحسب، بل وسيَبقى ناقصاً جداً. فكيفما أنه محالٌ شرحُ التاريخِ الكونيِّ في راهننا من دونِ التاريخِ القوميّ، فمن المستحيلِ أيضاً شرحُ التواريخِ الكونيةِ والجزئيةِ من دونِ الكلانِ والعشيرة. أما البدءُ بالتاريخِ من الكتابة، فهو ترجيحٌ ميثولوجيٌّ محض. وسيَكون من الأصحِّ القول أنه ترجيحٌ وتفضيلٌ وضعيٌّ – ميثولوجيّ.
هذه الإيضاحاتُ التمهيديةُ الموجزَةُ بشأنِ المقاوماتِ والبحوثِ التاريخية، هامةٌ على صعيدِ استيعابِ الموضوع. العالَمُ الذي تطَوَّرَ سياقُ المدنيةِ المركزيةِ على حسابِه لدى بِدئِها بحالتِها الأصلية، كان عالَماً شَهِدَ عصرَ المجتمعِ النيوليتيِّ بِكُلِّ بهائِه وعَظَمَتِه. بالمقدورِ عقد علاقةٍ جَدَلِيَّةٍ كاملةٍ مُكَمَّلةٍ بين كِلا السياقَين. ولا مجالَ للشكِّ في أنَّ كافةَ مخططاتِ ومشاريعِ وأُسُسِ تطبيقِ هذا التَّصَوُّرِ الجدلِيِّ قد طُوِّرَت في معابدِ الرهبانِ السومريين. هذه العلاقةُ الجَدَلِيَّةُ المَبنِيَّةُ حاملةٌ بالتطوراتِ الجليلة، سواءً فَكَّرنا بطريقةٍ وثائقيةٍ تجريبيةٍ أم بعقلانيةٍ تجريدية. فجميعُ قِيَمِ الثقافةِ الماديةِ والمعنويةِ لمنطقةِ ميزوبوتاميا العليا، المنطقة الأخصب في الهلالِ الخصيب (يُساوي المُؤَرِّخُ جوردون تشايلد بين هذه الثقافةِ وثقافةِ أوروبا البارزةِ بعد القرنِ السادسِ عشر) قد سُخِّرَت لخدمةِ المدنيةِ السومرية (كومةُ المدينة – الطبقة – الدولة) واستُخدِمَت كموادّ فيها. فبِتَوظيفِ هذه القِيَمِ وبإطراءِ التحويلِ عليها لاحقاً، كانت ستُخلَقُ الآلةُ المُسمَّاةُ بالمدنية.
كَلِمَتا المدنيةِ والآلةِ هامتان لدرجةِ وجوبِ التركيزِ عليهما. فالمدنيةُ لفظٌ جرت الدعايةُ له كثيراً، بِحُكمِ تَحَوُّلِها إلى نظامٍ مسيطِر. ومعنى هذه الكلمةِ هو "التمدن". المدنيةُ اسمُ الحياةِ الجديدةِ التي يُعلى من شأنها دون انقطاع بصفاتٍ من قَبيل: مدنية، عصرية، نبيلة، عقلانية، نظامية، ظريفة، جميلة، مُقتَصِدة، مخطَّطة، آمِنة وسِلمية وما شابه. وبينما يُنعَتُ تأثيرُ الثقافةِ الماديةِ في الحياةِ العَينيةِ بهذه الألفاظ، يتم إعدادُ الثقافةِ المعنويةِ بِتَصويراتٍ جديدةٍ عن مُجَمَّعِ الآلهةِ والجنة. وعبر هذه المصطلحاتِ تَبسطُ الثقافةُ المعنويةُ مناهجَها القصوى المشحونةَ بالروعةِ والكمالِ والخلودِ لقوى المدنيةِ الجديدة. أي، وبينما تَعرضُ ألفاظُ الثقافةِ الماديةِ المنهاجَ الأصغرَ للحياةِ اليومية، فإنَّ سرودَ الثقافةِ المعنويةِ تَمنحُ المنهاجَ الأكبرَ لِمُثُلِ الحياةِ التي سيتمُّ بلوغُها مستقبلاً. من هنا، ينبغي تَقَبُّلَ معابدِ الرهبانِ السومريين والاهتمامَ بها بِشِدَّة، لأنها صاغت المناهجَ الصغرى والكبرى. بينما وظيفةُ المعابدِ الراهنةِ لا تتعدى القيامَ بالدعايةِ للنظامِ القائم.
أدت معابدُ السومريين الأصليةُ وظيفةَ المَهدِ في تَكوينِ ظاهراتِ المدنيةِ اللاحقةِ التي يُناهِزُ عمرُها الخمسةَ آلافِ سنة. فقد قامَ الكهنةُ السومريون بإنشائِها في بدايةِ الأمرِ عن طريقِ كافةِ مؤسساتِ وأيديولوجياتِ المدينةِ والطبقةِ والدولة. أي أنهم ابتَكَروا وكالةَ الآلةِ المسماةِ بالمدنية. ينبغي ألا يُساوِرَنا أيُّ شكٍّ في أنَّ جذرَ مصطلحِ "الخَلقِ الإلهيِّ" مرتبطٌ بِوُثوقٍ بابتكارِ آلةِ المدنية. ومصطلحُ المدنيةِ كآلةٍ ذو ماهيةٍ جديرةٍ بالتحليل. الآلةُ صِفَةٌ واسمٌ في آنٍ معاً، يُطلَقُ على الوسائلِ التي تَسيرُ تلقائياً كالسيارات. السؤالُ الواجبُ طرحه هو: ما المعنى الذي تَنُمُّ عنه آلةُ المجتمعِ تلك التي تمَّ إنشاؤها. من الساطعِ أنَّ الوظيفةَ التاريخيةَ لهذه الآلةِ هي التسريعُ من تشغيلِ المجتمعِ الذي تتَحَكَّمُ به وتَبسطُ رقابتَها عليه، بالتالي تأمينُ المزيدِ من الفائضِ الاجتماعيّ، والاستيلاءُ عليه. الوظيفةُ مصطلحٌ معنيٌّ بالجوهر، ومختلفٌ عن المَهَمّةِ أو الواجب. إذ يُمكِنُ تَرك المَهَمّة، بينما تركُ الوظيفةِ مستحيلٌ، كونَها خاصيةٌ مرتبطةٌ بجوهرِ وبُنيةِ الجهازِ أو الأداةِ المعنية. اللهمَّ إلا إذا تناثَرَت الأداة، فحينها تنتهي الوظيفة. من هنا، فالمدنيةُ ليست مجتمعاً، بل آلةٌ تؤدي وظيفةً كهذه عبر تلفيقاتِها بشأنِ المدينة – الطبقة – الدولة. إنها تُشَغِّلُ المجتمع، بل وتُشَغِّلُه بسرعة. وعندما يتنافرُ ذلك ومصالحَها، فلا تُشَغِّلُه، بل تتركه عاطلاً. وهي لا تكتفي بذلك، بل وتستولي على تلك الفوائض، وتَتَّخِذُ شتى أنواعِ التدابيرِ والإجراءاتِ الأيديولوجيةِ والعسكريةِ اللازمةِ في سبيلِ ذلك. إنها لوياثانٌ (وحشٌ كاسر) متربِّعٌ على ظهرِ المجتمعِ بألفِ حيلةٍ ورياءٍ وتَعَسُّف. إنها تَصوغُ مخططَ الألوهيةِ (الإبداع) بتأسيسِ ذاتِها على الثقافةِ التي خَلَقَها المجتمعُ في أنسبِ ميادينِه الجيوبيولوجيةِ المستمرةِ على مدارِ ملايين السنين. إنها تتباهى بالتحلي بالألوهيةِ عبرَ التخطيطِ لها.
في هذه الحالةِ ينبغي طرح السؤالِ التالي: مَن ذا الذي بربريٌّ ويشبهُ الوحش؟ أَهي المجتمعاتُ المستمرةُ في حياتِها متداخلةً مع الطبيعةِ وفي أحضانِها كما الأُمُّ وابنُها، أم هم الجاثمون على ظهرِها مُستَولين على قِيَمِها؟ واضحٌ أنَّ أوانَ قلبِ المصطلحِ بالعَكسِ قد حان منذ زمنٍ بعيد، بل وفاتَ أيضاً! فالبربريُّ والوحشُ هو قوى المدنية. بينما الأناسُ الحقيقيون هم الذين يعيشون مع الطبيعةِ ومع بعضهم بِحُبٍّ وودادٍّ كما الأُمُّ وطِفلُها. هم أولئك الذين يعيشون في المجتمعِ الذي يطغى عليه شأنُ المرأة، ويَحيَون دون تدميرٍ أو تلويثٍ للبيئة، ويَعتَبِرون القمعَ والاستغلالَ غريباً عنهم. قد تَبدو هذه التعاريفُ بسيطةً ساذجة. إلا أنها تَرُدُّ المرءَ إلى نفسِه وتُغَيِّرُه، وهي تنويريةٌ للتَّمَكُّنِ من إدراكِ التضادِّ الجدليِّ الذي دَخَلَته المدنيةُ مع المجتمعِ بكلِّ جلائه. علينا ألا ننسى أنَّ النسبةَ الساحقةَ منا نحنُ البشرِ لا نؤدي دورَنا، بسببِ جعلِ المدنيةِ إيانا حمقى وبُلَهاء. أي أننا مَن تُشَغِّلُه الآلة. وكما الأمرُ في كلِّ آلة، فقد تَهتَرِئُ المدنياتُ أيضاً أو تَمُرُّ بأزمةٍ في فتراتِ عَمَلِها. حيث لا تَغيبُ فيها الأزماتُ والقضايا المستفحلةُ إطلاقاً. فمهما يَكن، فجماعاتُ الأحياءِ من البشرِ الذين تتَحَكَّمُ بهم هي مخلوقاتٌ ذاتُ دماغٍ ورغبات. ولهذه الكائناتِ جوانبُها المَرِنةُ التي لا تَحتَمِلُ الكذبَ والمشقاتِ مدةً طويلة. قد تُقاوِمُ أو تتمرد. وقد تُؤَسِّسُ خيالاتِها بشأنِ حياةٍ أوفر معنىً وحريةً ومساواةً وأخوَّة. وقد تَتنَظِمُ بل وتُقاتل وتُحاربُ في سبيلِ هكذا حياة
. سأستمر في سرد هذا الموضوع ضمن ثلاث بنود في مقالاتي القادمة التي ستكون على شكل حلقات.

اللغة

سياسات الصهر الإرغامي على ثقافة كردستان

مؤامرة ٩ تشرين الأول ..

مؤامرة ٩ تشرين الأول كانت ضرباً من "الحربِ العالميةِ الثالثةِ" كان قد ابتدأَ مع التمشيطِ المستهدِفِ إياي

تهيئـة أجـواء المؤامـرة

عندما أُدرِكَ وفُهِمَ أنني أُشكِّل أكبر عائق أمام هذه السياسات بدؤوا بالتفكير والتخطيط لطردي بل وحتى إبادتي وحُظِرَتْ عليّ حتى الحدود الدنيا من الحقوق الإنسانية الأساسية أو المواقف الديمقراطية

2014 © Partiya Karkerên Kurdistan (PKK)
pkkiletisim@gmail.com